ابن كثير

325

البداية والنهاية

معك من المهاجرين من لهم قرابات [ بمكة ] يحمون بها أهليهم وأموالهم ، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون [ بها ] قرابتي ، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الاسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما إنه قد صدقكم " فقال عمر : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ؟ فقال " إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ( 1 ) فأنزل الله سورة ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) إلى قوله ( فقد ضل سواء السبيل ) وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة . وقال الترمذي حسن صحيح . وقال الإمام أحمد ثنا حجين ويونس قالا : حدثنا ليث بن سعد ، عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله : أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد غزوهم ، فدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المرأة التي معها الكتاب فأرسل إليها ، فأخذ كتابها من رأسها وقال " يا حاطب أفعلت ؟ " قال نعم ، قال أما إني لم أفعله غشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفاقا . قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له أمره غير أني كنت غريبا بين ظهرانيهم وكانت والدتي معهم فأردت أن أتخذ يدا عندهم ، فقال له عمر : ألا أضرب رأس هذا ؟ فقال " أتقتل رجلا من أهل بدر وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم " ( 2 ) . تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه الإمام أحمد وإسناده على شرط مسلم ولله الحمد . فصل قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن ابن عباس قال : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره ، واستخلف على المدينة أبا رهم ، كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري ( 3 ) ، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان فصام وصام الناس معه ، حتى إذا كان بالكديد ( 4 ) بين عسفان وأمج أفطر ، ثم مضى حتى نزل من الظهران في عشرة آلاف من المسلمين ، وقال عروة بن الزبير : كان معه اثنا عشر ألفا . وكذا قال الزهري وموسى بن عقبة ، فسبعت سليم ، وبعضهم يقول ألفت سليم ، وألفت مزينة . وفي كل القبائل عدد وإسلام ، وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار ، فلم يتخلف عنه منهم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد - باب الجاسوس ( ح‍ : 3007 ) وفي تفسير سورة الممتحنة ( ح‍ : 4890 ) وفي كتاب المغازي ( 46 ) باب . وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة 36 باب ( ح‍ : 161 ) . وأبو داود في الجهاد ، والترمذي في تفسير سورة الممتحنة ، وأبو يعلى والحاكم وعبد بن حميد والواقدي وابن مردويه . ( 2 ) مسند الإمام أحمد ج 1 / 79 . ( 3 ) في ابن سعد : عبد الله بن أم مكتوم . ( 4 ) الكديد : موضع بين مكة والمدينة بين منزلتي أمج وعسفان ، وهو اسم ماء ، وهو أقرب إلى مكة من عسفان .